عبد الملك الجويني
408
نهاية المطلب في دراية المذهب
فلا تجب الدية ، ولكن تجب حكومة على قدر التأثير ، وهذا بمثابة ما لو جنى على اليد ، فنقص من بطشها . فإن قيل : الماشي بعكازه يعتمده ، فلا مشيَ منه ، قلنا : هذا محالٌ ، فإن من كسر صلبه على التحقيق لا يتأتى ذلك منه أصلاً ، بل الاعتماد على العكاز إنما يتأتى [ ممن ] ( 1 ) معه [ قيامٌ ] ( 2 ) من صلبه . ومما ذكره الأئمة في هذا أنه لو كسر صلبه ، فقد تعطلت منفعة رجليه ، فلا يلزمه دية الرِّجل ؛ فإنها صحيحة لا آفة بها ، وتعطل المشي فيها ليس من جهة الجناية عليها ، وهذا متفق عليه بين الأصحاب ، وهو بمثابة ذهاب العين ؛ فإنه ينتقص بسببه انتفاع الإنسان بمعظم أعضائه ، ولا تجب إلا دية العينين . ولو كسر صلبه ، فسقط بسببه مشيه ، فقد ذكر أئمتنا فيه وجهين . والجملة المعتبرة في ذلك أن من جنى على عضو ، فسقطت المنفعة الكائنة في ذلك العضو ، فلا شك أنا نفرد تلك المنفعة بموجَبٍ ، بل إن ما وجب في العضو ما [ وجب ] ( 3 ) [ إلا ] ( 4 ) لاتصافه بتلك المنفعة ؛ فإن الأعضاء تُعنى لمنافعها ، لا [ لأجزائها ] ( 5 ) . ولو جنى على عضوٍ ، فتعطل به عضوٌ [ وهو صحيح لا آفة به ] ( 6 ) ، فهذا تعطيل ، والتعطيل لا يوجب ضماناً إلا في المحل المجني عليه ، فإذا ذهب [ منيُّه ] ( 7 ) والمجني عليه صلبه ، فقد اشتهر خلاف الأصحاب في ذلك ، والوجه عندي أن نقول : ليس للمنيّ [ محل مخصوص ] ( 8 ) من البدن ، وإنما هو مادة ترسلها الطبيعة من الاعتدال
--> ( 1 ) في الأصل : " مما " . ( 2 ) في الأصل رسمت هكذا : ( مال - أم ) . ( 3 ) في الأصل : " يجب " . ( 4 ) زيادة اقتضاها السياق . ( 5 ) في الأصل : " أجزائها " . ( 6 ) في الأصل : " وهي صحيحة لا آفة بها " وأظن ظناً أن هذا من آثار عجمة سابقة في لسان الناسخ . ( 7 ) في الأصل : " منه " . ( 8 ) في الأصل : " محلاً مخصوصاً " .